ابن جبير

198

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

هولا يملأ النفوس إنابة وندامة ويذكرها هول يوم القيامة فلو لم نركب ثبج البحر ونعتسف مفازات القفز الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناجحة والحمد لله على أن من بلقاء من يشهد الجمادات بفضله ويضيق الوجود عن مثله وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل وتطير اليه الرقاع فيجاوب أسرع من طرفة عين وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا إله سواه ثم شاهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر في ساحة قصور الخليفة ومناظره مشرفة عليه وهذا الموضع المذكور هو من حرم الخليفة خص بالوصول اليه والتكلم فيه ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم ويفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع وقد بسط بالحصر وجلوسه بهذا الموضع كل ( يوم ) خميس فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم فصعد المنبر وأرخى طيلسانه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان قود تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة فابتدروا القراءة على الترتيب وشوقوا ما شاءوا وأطربوا ما أرادوا وبادرت العيون بارسال الدموع فلما فرغوا من القراءة وقد أحصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات صدع بخطبته الزهراء الغراء وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكلمها وكانت الآية الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ان الله لذو فضل على الناس فتمادى على هذا السين وحسن أي تحسين كفان يومه في ذلك أعجب من أمسه ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته وكنى عنها بالستر